اين انت

في زمان سابق على زماننا هذا ، لا أحد يدري قبل كم سنة أو قبل كم قرن من الآن ، كان الحدث الذي نحن بصدد الحديث عنه الآن ، إذ كان سؤال الرب الإله : أين أنت ؟ وكان السؤال موجها لأول مخلوق بشري : أبينا آدم الذي أسرع بالاختباء خلف الأشجار ، كما يسرع الإبن العاق للإختباء من أبيه لأنه يعلم أنه قد أتى شيئا خطيرا يستوجب العقاب ، فهل كان الرب الإله لا يعلم مكان آدم ؟ هل كان الرب الإله لا يعلم ماذا فعل آدم مما استوجب اختباؤه ؟ بل كان يعلم أين هو ، ويعلم ماذا فعل قبل أن يفعل ، بل وحذره مما فعل قبل أن يفعل ، ولكن السؤال كان يحمل في طياته أكثر من مجرد السؤال عن المكان ، فقد كان معناه : أين أنت يا آدم من وصاياي ؟ هل عملت بما أوصيتك به أم عصيتني ؟ فماذا كان جواب أبينا آدم ؟ كان جوابه طبقا للمعنى الظاهر للسؤال : ( سمعت صوتك آتيا في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت ) وهل يمكن الإختباء من وجه الرب ؟ لقد أزال العصيان ذلك الستر الذي كان يستر عريه وهتك تلك البراءة الطفولية التي خلق عليها فكان السؤال ( أين أنت ؟ ) وكان العقاب : النفي الى أرض الغربة ، أرض الشقاء والعذاب .

واليوم يوجه نفس السؤال لكل منا : ( أين أنت ؟) ليس بالمعنى الظاهر بل بالمعنى العميق ، الذي يتجاوز الظاهر الى الباطن ، : أين أنت من وصايا الرب الإله ؟ وهل اتخذت من تلك الوصايا سورا وحصنا يقيك من هجمات عدو الخير الذي يتربص بك ؟ أين أنت من وصايا الآباء القديسين ؟ أين أنت من ارشاد المعلمين والآباء الروحيين ؟

اننا نردد في كل صلا ة ( واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين الينا ) فأين نحن من هذه الصلاة ؟ وهل نطبقها فعليا في حياتنا اليومية ومعاملاتنا مع الآخرين ؟ ونقول أيضا في القداس الإلهي : ( بموتك يا رب نبشر وبقيامتك المقدسة وصعودك الى السموات نعترف ) هل تدري أن هذا عهد والتزام على كل منا ينبغي الوفاء به ؟ فأين نحن منه ؟ وهل نطبقه عمليا ؟ أم هو مجرد كلام نردده وننساه بمجرد خروجنا من الكنيسة ؟

ويتكرر السؤال : أين أنت من وعودك والتزامك بترك المعصية ، والتوبة عن الخطايا ؟ أين أنت من الأعين الباكية ، والبطون الخاوية والأيدي الممدوعة في استحياء ، أين أنت من الأجساد العارية والنفوس البائسة والقلوب الكسيرة ؟ انك ان كنت ممن أنعم الله عليهم بسعة في الرزق وبلهنية في العيش فان سؤال الرب الإله اليك اليوم : أين أنت من هؤلاء ؟ فهل يكو ن جوابك كما أجاب أبونا آدم : ( سمعت صوتك أتيا في الجنة فخشيت ، لأني عريان فاختبأت ) ؟

فلنحرص على الإجابة عن هذا السؤال بما يرضي الله قبل أن يأتي يوم الدينونة الرهيب ويوجه السؤال الى كل منا : ( أين أنت ؟ )

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قلبا نقيا اخلق في يا الله